http://www.wa-gulf.com/915081

طلب موعدا لمقابلتي ، رحبت به ، شاب صغير تخرج حديثا ، تملؤه الحماسة وفتوة الشباب ، يرى كل شئ بلون الصفاء والبياض والنقاء. بدأ حديثه بعد تردد كثير .قال: اعذريني لما سأقوله ، لكن يجب ان تعرفي الحقيقة كما هي . نظرت اليه وقلت : مهما كان الأمر محرجا فما دمت نويت الحديث معي فتفضل ، فكلي أذان صاغية. قال : اصدقائي يتحدثون دوما عن الأمر ، ويقولون اذهب ، فالامر أسهل وأبسط مما تعتقد ، وسترى بنفسك اللحم الكثير المعروض للبيع ، فقط قم بترقيم إحداهن ، ثم ستأتي الامور تباعا وبشكل طبيعي . اكمل :في ليلة أصبت بالأرق الشديد وأنا أستعيد حديث اصدقائي وضحكاتهم . فقمت ولبست ثيابي . كان البيت هادئا ، فقد كان الوقت متأخرا الى حد ما ، خرجت متوجها الى منطقة الخوير امام فندق راديسون بلو حيث تكثر المقاهي وتتعدد، فعلا رأيت المنظر كما وصفه أصدقائي ، كن من عدد من الجنسيات الشرق آسيوية، وكان عددهن ملفتا وكبيرا ، جالسات في المقاهي كأي زبون عادي ، وقفت أتفرج على المنظر ، كانت أعينهن تراقب بذكاء وفي كل الاتجاهات ، رأيت واحدة أعجبتني . وقفت أراقبها بصمت وانا أستعد للترقيم ، لكنني ترددت وتذكرت مقالك عن ثالوث الايدز والمخدرات وبيع اللحم . وقفت محتارا مترددا بين حديث اصدقائي الحماسي الذي يدفعني للتجربة ، وبين الخوف من عدوى الايدز . لم يطل وقوفي كثيرا ، فقد رأيت أحدهم وهو في سني تقريبا يرقمها ، فقامت من مكانها وغادرت الطاولة، وماهي الا لحظات حتى اختفيا في الظلام . أعدت النظر الى الجالسات في المقاعد ، بين دخان الشيشة وعيونهن المترقبة، والحديث الضاحك بينهن ، أردت العد ، ثم تنازلت عن الفكرة ، فعددهن كبير حسبما أرى .لفحتني بعض برودة المساء ، رفعت ياقة قميصى لتجنب لسعات البرد ، جعلت أرقب المنظر بصمت ، بينما دخان الشيشة يتصاعد ، والترقيم يزداد . كم شاب واقف الان مثلي ، نصفه في الظلام ونصفه في ضوء المصابيح الشاحبة ، حتى لاتعرف هويته . يبدو ان بعضهم سريع الاختيار ، كي يجنب نفسه الوقوف وانتباه الناس له . كم شاب مثلي اصبح ضحية بعد ان كان معافى وصحيح البدن ، لكن مغامرة ليلة أصابه فيها الأرق قضت على مستقبله وحياته ، فاصبح رهين الدمار. لسعني البرد بينما عيناي تبحثان عن الأجمل ، لكنهن وكأنهن نسخ متشابهة قد ملأت وجوهن المساحيق الرخيصة ، والحركات الارخص . مع لسعات البرد بدت لي عينا أمي وهي تنظر لي بعتاب وتردد :"بني هل ربيتك كي افقدك في لحظة غباء وتهور ، بني لاتقتلني بتهورك ، بني هل يجب ان تقوم بما قام به أصدقاؤك ، بني لاتفعل ارجوك .بني .بني..." ارتفع صوتها في أذني قويا ، تراءى لي أبي بدمعة شاحبة في عينيه المعاتبتين بشدة ، استدرت رغم كل قوة الدفع التي ترغمني على الوقوف في مكاني ، كانت احداهن قد بدأت تنظر لي ، وتنتظر الرقم كي تتلقفه سريعا. استدرت وعدت الى عربتي بجهد جهيد . تحركت مبتعدا بسرعة، وكأني اهرب بجلدي من الجحيم الى وجه أعز انسانين على قلبي، امي وابي . كورت الرقم بين اصابعي ورميته . فتحت نافذة العربة كي تلسعني سياط البرد وتقضي على البقية الباقية من رغبتي بالعودة . وصلت البيت ، وقفز السؤال قويا في داخلي : ترى كم ضحية لهن كل يوم ، وكم شاب يتم تدميره كل ليلة ، لقد نفذت بجلدي ، لكن من حديث اصدقائي والوقائع التي يروونها ، فالضحايا كثر ، نعم كثر كما رأيت بعيني . لكن الا يمكن تدبير مصائد لاصطيادهن من قبل الجهات المعنية وتلبيسهن التهمة، واتخاذ اجراءات أشد لمنع تكاثرهن، واصطياد الشبكات التي ترتب أمورهن ، اظن الامر ممكن جدا ، ويستحق التعب والجهد الكبير مقابل عدد الضحايا الكبير من الشباب كل ليلة .